حيث كنت أجهلني

🔍 القسم التاسع

حيث كنتُ أجهلني

"كنتُ أجهلني تماماً، وها أنا أتعرف عليّ من جديد.. على مهلٍ، وبألمٍ يطهرني، وبنورٍ خافت يشبه البدايات."

لم تكن الضياعات في هذا العالم متشابهة، فثمة تيهٌ سطحي يذروك في العراء حيث تضلّ الدروب وتتوه الوجوه في زحام العابرين، وثمة ضياعٌ آخَر، أعمق وأقسى؛ ذاك الذي يأخذك في رحلةٍ قسرية إلى الداخل، إلى تلك السراديب المظلمة في روحك، حيث لم تجرؤ يوماً أن تنظر أو تفتش عما هو منفي داخلك.

عند بوابات "نوفايا" العظيمة، وقف كيان والريح الباردة تلطم وجهه، شاخصاً ببصره نحو المدى الخالي كمن خُلع قلبه من بين أضلعه وتُرك جسداً بلا بوصلة. كان يغذي روحه طوال الوقت بفتات أملٍ واهن؛ أن يراها تقف هناك، أن تشرق له ابتسامتها من بعيد، وتقول بنبرتها المليئة بالدفء: "كنتُ أعلم يقيناً أنك ستأتي". لكن المكان كان موحشاً، فارغاً إلا من صدى خطاه.

أما مينا، فقد استنفدها الانتظار الذي يكسر الروح في صمتٍ يطرق جدران القلب بقسوة. رحلت ليس لأن الطريق أمامها أصبح ممهداً، بل لأن البقاء على أعتاب الرفض صار أكثر وجعاً من الرحيل إلى المجهول. مضت وهي تحمل في حقيبتها المثقوبة خيبةً لم تجد لها ضريحاً لتدفنها فيه.

هنا، في هذا المنعطف من الحكاية، لا نتحدث عن نهاياتٍ مغلقة، بل عن عودةٍ كبرى إلى الذات. إن اللقاء الذي ننشده ليس قدراً يطرق أبوابنا بمصادفةٍ بحتة، بقدر ما هو استحقاقٌ نضج على لهيب المعاناة. عن كيان، الذي كلما ظن أنه يقطع الفيافي بحثاً عن أحبته، كان في الحقيقة يهرول نحو نقطةٍ عميقة في أعماقه؛ حيث كان يجهل نفسه تماماً.

حين عبر كيان بوابات "نوفايا" إلى الخارج، لم تكن الأرض ترحب به، بل استقبله الفراغ ببرودٍ موحش. لم يكن يحمل في تجاويف قلبه سوى أملٍ ضئيل، هشٍّ كخيط عنكبوت في مهب ريح عاتية، لكنه تشبث به بيقين الغريق الذي يعض بنواجذه على آخر لوح خشب طافٍ فوق لجة العدم.

✦ ✦ ✦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف ولدت رواية "ما بين الرماد والضوء"

مقدمة عن القسم الأول "رماد البداية"