مقدمة عن القسم الأول "رماد البداية"
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
بين الرماد والضوء
الرواية الرسمية
عندما ينطفئ ضجيج العالم، ولا يتبقى سوى همس الغياب.. هل تبحث عن النجاة أم تكتفي بالرماد؟ اتبعوا "كيان" في خطوته الأولى نحو المجهول.
الفصل الأول: تراتيل الرماد والانتظار
لم يكن هناك صوت… انقطع صراخ الأطفال، تلاشت ضوضاء المحركات، وحتى الريح التي كانت تهمس في الأرجاء كتمت أنفاسها. بدا وكأن العالم بأسره قد سقط في غيبوبة صمتٍ أبدي، جثة هامدة لا نبض فيها ولا روح. في هذا السكون الخانق الذي يصفر في الآذان، فتح كيان عينيه ليرى ضوءاً رمادياً باهتاً يتسلل بخجل وانكسار عبر فجوة نخرت سقفاً متهالكاً؛ لم يكن نوراً يبعث على الحياة، بل كان أشبه بشبح ضوءٍ عبر من زمنٍ غابر ليُلقي بظلاله الكئيبة على الحطام.
تأمل الجدران من حوله؛ كانت متشققة ومتفحمة، يكسوها سواد الحريق كأنه ندبة غائرة على وجه مدينة نسيت منذ أمد بعيد كيف تبتسم. تحامل على جسده المنهك وجلس ببطء شديد، ضاغطاً بأصابعه المرتجفة على ضمادة جافة التصقت بجرحٍ في رأسه منذ أيام لم يعد يملك القدرة على إحصائها. لقد فقد الوقت معناه وشكله؛ فلا الهواتف ترن، ولا الساعات تتحرك، وحتى قلبه كفّ عن استشعار مرور الدقائق منذ أن استحال العالم إلى مقبرة كبرى مفتوحة على سماء لا تستجيب.
"هل أنا الوحيد حقاً؟ أم أن الجميع قد غادروا قبلي؟"
دفع الباب الخشبي المتهالك، فصدر عنه صرير حاد كأنه أنين ذاكرة مكلومة تُنتزع من جذورها. خرج بخطى مثقلة في شارعٍ لا نهاية له، حيث يغمر كل شيء غبار أسود كثيف، تشهقه الرئتان فتدمع العيون قهراً. كانت الأبنية على الجانبين تشبه أشباحاً رمادية؛ بعضها انهار بالفعل، وبعضها الآخر ينتظر لحظة السقوط ليرتاح. على ظهره، استقرت حقيبة جلدية قديمة، في طياتها يختبئ دفتر شبه محترق، علبة كبريت مهترئة، وكتاب ممزق لرواية "نيران النجاة" التي لم يُمهله القدر لإتمامها.
وفي تلك الليلة، بينما كانت شعلة ناره الصغيرة تذوي، حدث ما لم يكن في الحسبان. جهاز الراديو العتيق، الذي صمت لأسابيع، انبعث منه صوت ضعيف مشوّه وسط التشويش الأثيري: "إذا كنت تسمع هذا... فاعلم أن هناك أملًا... ’نوفايا‘ ما زالت موجودة... اتبع النجم الأحمر في السماء...". ارتجف قلبه برعدة الأمل المباغت. هل كانت حقيقة أم صدى حلم؟ تعلق بتلك الكلمات كغريق تشبث بحبل نجاة في عرض بحرٍ هائج. قرر بصرامة: "سأنتظر الليل... أتحقق من نوره، وبعدها سأقرر إن كنت سأتبعه، أو أدفن قلبي بالحقيقة".
أخرج دفتره، وبخط مرتجف كتب: "يا أنت... هل رأيت كيف تنكمش الحياة في الزوايا؟ وكيف تصبح الضحكات غباراً؟ نحن لسنا أبناء هذه الأرض فقط، بل أبناء الرماد الذي خلفته". تذكر عائلته الدافئة، والديه وإخوته، وأخته الكبرى التي كانت تهاديه بالروايات كل أسبوع. تذكر سنواته الجامعية في دراسة الأدب، وكيف كان يحلم بمنصة التخرج وبوالديه في الصف الأول.
اندفع بحنين جارف نحو موقع مكتبة المدينة القديمة، لكن الطريق لم يعد يعرفه. تعثر بلوح خشبي وسقط بقوة، ليصاب بجرح غائر في معصمه والتواء في كاحله. وحين رفع اللوح، اكتشف المأساة؛ كومة من الكتب المغطاة بالرماد، صفحاتها محترقة الأطراف. بكى كيان، لا من وجع الجسد، بل من وجع الخسارة الأولى التي تترك ندبة في الروح.
"لا أحد ينجو وحده… نحن هنا لأننا رفضنا الموت مرتين… لأننا اخترنا أن نحمل الرماد… وننبت منه."
بانتظار الليل.. وبانتظار تعليقاتكم حول رحلة كيان.
#بين_الرماد_والضوء | #الرواية_الرسمية
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق