بوصلة الضياع
🧭 القسم الثامن
بوصلة الضيــــاع
في تلك الطرق الموحشة، لم تكن خطوات الرفاق ترتسم فوق خريطةٍ مألوفة المعالم، بل كانت تمضي فوق حافة الهاوية؛ هاويةٍ تُختبر فيها صلابة الإرادة قبل قوة الأجساد، ويُحاصر فيها الأمل بين الشك والخيبة.
كانت كل محاولةٍ مستميتة للتمسك بأهداب الحياة تصطدم بجدار الواقع القاسي، وكأن القدر يضع أمامهم سدودًا من المستحيل. وكلما التمع في أفقهم بصيصٌ من رجاء، أُطفئ سريعًا بسؤالٍ كأنه النصل يتردد في أغوار أرواحهم: لماذا نخوض هذه الغمار؟
في هذا التيه الجغرافي والروحي، غدا الشمال لغزًا، ولم يعد الجنوب مأوىً، فبوصلة الضياع لديهم باتت تشير إلى كل الاتجاهات في آنٍ واحد. المضيّ قدُمًا صار قرارًا يتيماً؛ لا لكونه الدرب الصواب، بل لكونه الخيار الوحيد المتبقي لمواجهة هذا الفراغ المطبق.
وسط هذا الشتات، يتعلم كل من ينشد الخلاص أن بعض الطرق لا تهدي العابرين إلى غاياتهم بالضرورة، لكنها تمتلك قدرةً عجيبة على كشف جوهر الإنسان حين يُسحق تحت وطأة المعاناة؛ فإما أن يستلّ من حطامه قوةً لينهض، أو يستسلم لينكسر.
ومع كل خطوةٍ جارحة، بدت الدروب وكأنها نهاياتٌ مفتوحة على المجهول، لكنهم ظلّوا يمضون بقلوبٍ مثقلة بالذكريات، وعيونٍ تفتش في السديم، وصمتٍ طويلٍ صار هو اللغة الوحيدة المستخدمة في تلك الرحلة المنهكة.
تعليقات
إرسال تعليق