عتمة الغياب
🌑 القسم العاشر
عتمةُ الغياب
في الغياب، لا تنهار الروح دفعة واحدة، بل تتآكل ببطءٍ وهدوء. وها هو كيان يقف الآن في تلك النقطة الحرجة التي تسبق الضوء بقليل؛ حيث يقف القلب معلقاً في البرزخ، ما بين نشوة الرجوع الكامل ورهبة الخسارة الكبرى.
لم يكن اللقاءُ كما رسمته مخيلاتهم؛ فقد جاء باهتاً في تفاصيله، عميقاً في أثره. وقف كيان أمامهم، يتوسط نبيل وليلى ومينا، في مشهدٍ حبست فيه الكلمات أنفاسها، وحلّت محلها نظراتٌ تخترق الروح. لم يكن يصدق أنه الآن في حضرة الواقع، وأن الوجوه التي أمامه ليست أطيافاً.
ولكن، ما إن تجلّى النور في وجهه، حتى زحف ظلٌّ ثقيل. أدرك كيان أن الركن الأهم في هذا الجمع يغيب؛ أمه ليست بينهم. سأل بعينين تائهتين سؤالاً لم يجد صدىً لدى مينا سوى الصمت؛ ذاك الصمت المطبق الذي نلوذ به حين تخذلنا الشجاعة عن نطق الحقيقة.
خطى نحو غرفة العناية المركزة بخطواتٍ متأرجحة، كأنه يسير فوق رماد قلبه المحترق. رآها هناك، ترقد بسكونٍ مهيب وسط ضجيج الأجهزة؛ أمه التي لم يعرف اليأس طريقاً إلى قلبها وهي ترسل نداءاتها في ظلمة المجهول.
أحاطت يده المرتجفة بكفها الباردة التي أنهكها التعب، وهمس في أذنها بصوتٍ يتهدج بالحنين، معلناً نهاية رحلة البحث وبداية صراعٍ جديد من أجل البقاء.
تعليقات
إرسال تعليق