ما لا يُقال

🤐 القسم الخامس

ما لا يُقال

"ليس كل الصمت سلاماً؛ فبعضه صرخاتٌ مجهضة تقف على حافة الحنجرة."

تختنق الكلمات بزفير الوجع، ثم ترتد إلى غياهب القلب لتستقر ثقلاً فوق ثقل، كأنها أحجار جيرية تنمو في صدورهم وتمنعهم من التنفس بعمق. لم يكن الصمت الذي أعقب مغادرتهم للكهف صمت طمأنينة، بل كان صمتًا ثقيلًا، محملًا بآثار الغبار والأرواح التي سقطت في عتمة الممرات.

في تلك اللحظة التي تجاوزوا فيها عتبة الكهف، لم ينبسط العالم أمامهم كأفقٍ للحرية، بل بدا أضيق من أي وقت مضى، وأثقل مما تحتمله الأكتاف التي نخرها التعب والبرد. كانت الرياح تعوي بين الشقوق الجبلية ببرودةٍ جارحة تشقّ الوجوه كالمداوي، والسماء ملبدة بغيوم رمادية كمدنٍ مهجورة سكنها الرماد بعد حريق عظيم.

والأرض التي وطئتها أقدامهم لم تكن تحمل سوى آثار الراحلين، وفتات أملٍ مبتور يشبه الزجاج المحطم تحت الأقدام. لقد سرق موت السيدة "رفيقة" منهم ما هو أكثر من مجرد رفيقة درب أو رفيقة رحلة؛ سلب من صدورهم دفئاً خفياً لم يدركوا سطوته وقيمته إلا حين غاب.

فاستحال الجو صقيعاً ينهش الأرواح قبل الأجساد. ساروا في جنازة صامتة لم تُرفع فيها رايات، ولم تُتْلَ فيها صلوات، فكل واحدٍ منهم كان يحمل في صدره تابوتاً خاصاً لما عجز عن قوله في لحظة الوداع الأخيرة.

✦ ✦ ✦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف ولدت رواية "ما بين الرماد والضوء"

مقدمة عن القسم الأول "رماد البداية"