خطى في مهب الريح
🌬️ القسم السادس
خُطى في مهب الريح
سارت خطاهم في الريح؛ خطىً مرتبكة، مبللة برذاذ الخوف، ومشتبكة بخيوط الحنين الممزقة. لكنهم، رغم كل شيء، ساروا.
كانت السماء رمادية كئيبة، والهواء مشبعاً بطعم التراب المحروق ورائحة الانتظار المرّ. تركوا الخوف خلفهم وقد بدا في عيونهم كأنه فصلٌ من حكاية قديمة لا يريد أحد استعادتها، ومضوا في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى أنفاسهم المتهدجة ووقع أقدامهم التي تجرّ خلفها أثقال السنين على دربٍ حجري لا ينتهي.
كانت لين تلفّ غطاءً صوفياً بالياً حول جسدها المرتجف، وقد صبغت الحرارة وجنتيها بحمرة مفرطة ومؤلمة. وحين حاولت الإمساك بقطعة خبز جافة، خانتها يدها المرتعشة فسقطت اللقمة في التراب.
— "إنها تحترق... وكأن جسدها مرجل من نار." (مينا)
تجمع الرفاق حول الصغيرة، والوجوم يغشى الوجوه. نظر كيان نحوهم، والقلق يشع من عينيه كشرر النار.
— "ليست مجرد نزلة برد عابرة... إنها تلك الحمى السوداء التي اجتاحت القرية قبل شهور، وحصدت أرواح الكثيرين." (شهاب)
— "نحتاج لنبتة 'المرّة البرية'... هي الترياق الوحيد الذي كان يسعفنا حين كنا نُدرّس في أعالي الجبال، إنها قادرة على علاجها وتخفيض حرارتها." (الأستاذ فارس)
التمعت عينا كيان وهو ينظر إلى مينا التي أخبرتهم أن النبتة موجودة في وادي النعاس، ثم فتح الخريطة الباهتة وتفرّس في خطوطها: "وادي النعاس... مكتوبٌ هنا في حاشية الخريطة أنه مستودعٌ للنباتات البرية النادرة، وهو يبعد عنا مسيرة خمس ساعات من السير الحثيث."
— "سأذهب أنا... أعرف كيف أميز هذه النبتة بين الصخور." (مينا)
لكن كيان قبض على ذراعها برفق ومنعها قائلاً: "لن تذهبي وحدكِ في هذا التيه؛ فالطريق غادر والريح لا ترحم."
تعليقات
إرسال تعليق