رماد البداية

🌑 القسم الأول

رماد البداية

"حين يبدأ كل شيء من الصفر… من العدم."

لم يكن هناك صوت.. لم يكن ثمة شيء سوى هذا الفراغ المطبق الذي يتجاوز مفهوم الصمت. اختفت ضحكات الأطفال التي كانت تملأ الأزقة ذات يوم، وتلاشت ضوضاء المحركات التي كانت تعلن عن نبض الحياة، حتى الريح، تلك العجوز الثرثارة، كتمت أنفاسها فجأة وغادرت المكان.

بدا الأمر وكأن العالم بأسره قد لُفّ بكفنٍ من السكون الأبدي، أو كأن الزمن قد انكسر عند لحظةٍ ما، فأسقط الأحياء في هوة النسيان.

فتح "كيان" عينيه المثقلتين، ليتلقاه ضوءٌ رمادي باهت، شاحب كوجهِ ميت، كان يتسلل بخجلٍ وانكسار عبر ثقوب سقف متهالك كادت أضلاعه الخشبية أن تستسلم للجاذبية.

لم يكن نورًا يمنح الدفء أو الأمل، بل كان "شبح ضوء"؛ بقايا متعبة من زمنٍ مضى، عبرت من فجوات التاريخ لترسم ظلالاً مشوهة على الأرضية المتربة التي غطاها الركام.

تحسست عيناه الجدران المحيطة به، فبدت له كجثة متحللة لبيتٍ كان يومًا آمنًا. كانت الشقوق تنهش جسد الحجر كأفاعٍ سوداء، وسواد الحريق يكسو كل زاوية.

ندوبٌ غائرة ومتفحمة تحكي قصة الوجع الذي أصاب مدينةً غادرها أهلها، وتحولت ملامحها إلى قناعٍ من الرماد الذي يغطي وجه التاريخ.

كان الغبار يتراقص في حزمة الضوء الضئيلة، ذرات صغيرة تحمل في طياتها بقايا ستائر محترقة، وصوراً عائلية ملامحها ضائعة، وذكريات لم يعد لها صاحب.

✦ ✦ ✦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف ولدت رواية "ما بين الرماد والضوء"

مقدمة عن القسم الأول "رماد البداية"