الحكاية الأولى: مائدةٌ لم تكتمل
كنا خمسة... نتحلق حول انتظارٍ دافئ، نترقب خطى ابننا الأكبر الذي مَضى ليجلب لنا الخبز، كي تكتمل لمتنا على مائدة الغداء. في تلك الدقائق الأخيرة، كان بيتنا يضج بـ "الحياة" في أبهى صورها؛ حياةٍ بسيطة لا تطلب من الكون سوى رغيفٍ ساخن وضحكةٍ صافية.
كانت زوجتي تقف في المطبخ، تنادي صغيرتنا المدللة لتتسلم طبقها. طبقٌ نسقته أصابع الأم الحانية بالخضار الملونة التي تعشقها طفلتنا. ركضت الصغيرة نحونا، عيناها تلمعان بالفرح، وضحكتها تسبق خطواتها وهي تهتف: "أمي.. أنا جائعة جدًا، الطعام يبدو لذيذًا!"
تبسمت زوجتي وقالت لها بحنانها المعهود: "هذا الطبق لكِ يا حبيبتي، تناوليه كله لتكبري وتصبحي أجمل الجميلات".
أطلقتْ صغيرتي ضحكتها الطفولية الرنانة، وركضت عائدة لتضع طبقها على السُفرة. أتذكر جيدًا كيف كنت أراقبها بنظراتٍ يملؤها الحب والخوف معًا؛ كنت أخشى أن تتعثر خطوتها الصغيرة فيسقط الطبق من يديها. وفي زاوية الغرفة، كان أحمد وسامي مستغرقين في لعبةٍ على الهاتف، يتبادلان الهمس والضحك، وينتظران شقيقهما الأكبر لنبدأ معًا.
فجأة، طُرق الباب... قَفز سامي بفرح وهو يهتف: "لقد وصل! جاء أخي ومعه الخبز!"
لكن سامي لم يصل إلى الباب... ولم يفتح القفل.
في تلك الأجزاء من الثانية، توقف الزمن تمامًا. تجمدت الضحكات في الهواء. رأيتُ الباب الذي انتُزع من مكانه ليتطاير كشظية عملاقة، ورأيت جسد سامي النحيف وهو يلتصق بالأرض، ثم انتشرت النيران لتبتلع جدران بيتنا الدافئ في رمشة عين.
كان الألم الرهيب والصراخ المكتوم هو آخر ما شعرنا به جميعًا... آخر عهدنا بالدنيا. رحلنا في منتصف النهار.. هكذا فجأة وبلا مقدمات. لم نتناول غداءنا، ولم يَعُد ابننا الأكبر ليجدنا. غادرنا تاركين أطباقنا المفضلة التي لم تمسسها أفواهنا، بل ملأها الدماء والغبار.
لم نكن نريد الرحيل، ولم نملأ حقائبنا لوداع أحد.. لقد كان العالم قاسيًا جدًا علينا، ونحن بلا ذنب. نعم، غادرنا.. غادرنا بأجسادنا، لكن أرواحنا ظلت عالقة في تلك الغرفة، تحوم فوق بقايا الطعام، وفوق الكرسي الذي ظل فارغاً بانتظار الابن الأكبر. نحن لم ننتهِ بانفجارٍ أو ركام؛ نحن أصبحنا صوتاً في ضمير هذا العالم.
صحيحٌ أن أجسادنا غادرت، لكننا "كنا".. وما زلنا هنا، نطالب بحقنا في الحكاية، لنخبركم أن خلف كل رقمٍ على شاشاتكم، كانت هناك "مائدةٌ لم تكتمل".
من رواية: ما بين الرماد والضوء
بقلم: إيمان صافي
تعليقات
إرسال تعليق